... مثلما ولد الاعتزال البصري وسط تناقضات الاراء حول مواضيع سياسية دينية كالامامة، ومرتكب الكبيرة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوحيد والعدل الالهي، ولد الاعتزال البغدادي وسط تناقضات جدلية قائمة ما بين الاراء الفلسفية التي دخلت عن طريق الترجمة، ومابين اراء اهل المقالات والاديان من أصحاب الملل والنحل القديمة التي حاولت أن تبعث دياناتها من جديد تحت غطاء الاسلام، وما بين أهل الاسلام من متكلمين ومحدثين وفقهاء (الراوي، 1982: 65) في ظل هذه المتغيرات الفكرية والثقافية والدينية ، انبثقت حركة الاعتزال البغدادي على يد زعيمها بشر بن المعتمر الهلالي الكوفي، الذي ربما ورث التشيع نتيجة لبيئته الكوفية العلوية (الراوي، 1982: 83) والذي اورثه فيما بعد لتلامذته ورجال مدرسته البغدادية، فأصبح طابعهم، وسموا أنفسهم (( متشيعة المعتزلة ) ) (الخياط ، 1925: 99-101) .
... لقد حاول بشر بن المعتمر ان يوجد علاقة تواءم وانسجام وتفاعل مابين أفكاره الاعتزالية واتجاهاته السياسية، وبهذا يُعد بشر متجاوزًا للأتجاه البصري المحافظ الذي اكتفى ببرنامجه الفكري (ينظر: الراوي ، 1980: 21) أما الاتجاه البغدادي فقد كان حركيًا وعمليًا ونزل إلى الساحة السياسية والفكرية، فقد تمكن ثمامة بن الأشرس وأحمد بن أبي دؤاد من التأثير على المأمون فكريًا ومذهبيًا مما أدى هذا الأمر إلى تحول في اتجاه الدولة العقائدي كان من نتائجه تعزيز الموقف الفكري للمعتزلة البغداديين ، اذ انتقلت مدرسة بغداد من تنظيماتها السرية، إلى ممارسة نشاطها، دعوةً وتنظيمًا بصورة علنية، مما جعل لها موقفًا قويًا في التأثير على مشاعر الناس واستمالتهم للافكار الاعتزالية (الرفاعي ، 1927:231) .