... فقد تغير ميزان القوى لصالح المعتزلة، فعلى شأنهم وتعزز موقعهم داخل السلطة العباسية، مما أتاح لرجالاتهم، حرية فكرية لانظير لها في تأريخهم، فأتجهوا إلى مضاعفة نشاطهم العقلي، فوسعوا بحوثهم وعمقوا مواقفهم الفكرية، في ظل هذه الحرية فبدأ الاعتزال بالانتشار من المساجد وحلقات الدرس إلى مشاركة السلطة السياسية والتأثير عليها (الراوي ، 1982: 85) .
... وقد أدت هذه المشاركة والصلات المتينة بالبلاط العباسي، إلى إعلان المأمون رسميًا ان الاعتزال مذهبًا للدولة وتتولى أجهزة الدولة تطبيق مباديء الاعتزال عمليًا (الطبري، ج11 ، 1985: 132) . بعد أن بقيت هذه المباديء مجرد أفكار حبيسة في التصورات البصرية تُدّرس في الحلقات العلمية (الراوي، 1980: 22) .
... فقد بدأ البغداديون وعلى رأسهم بشر مراجعة شاملة للطروحات البصرية ولاسيما مبدأ العدل الالهي، فاستحدثوا قضايا جديدة كنظرية السببية وعلاقة الله بالانسان، معتمدين في معالجتهم لهذه القضايا والنظريات مبدأ المسؤولية والارادة الانسانية لنفي الجبرية ورفض الحتمية كطروحة لتفسير سلوك الانسان وتصرفاته وأفعاله، فقد اثبتوا حرية الارادة الانسانية، وقدرتها على الخلق والابداع ومسؤوليتها عن نتائج فعلها (الراوي ، 1980: 22) .
... وكذلك تصدوا لمعتزلة البصرة وقاوموا التيار الارجائي التوفيقي الذي ساد في صفوفها، وهذا الأمر يعكس حركية وفاعلية الاعتزال البغدادي وواقعيته ، كما عملوا على تعميق مباحثهم الفيزيائية ومزجوها بقراءاتهم الفلسفية وذلك للدفاع عن عقيدة التوحيد، ولاسيما في معالجة قضايا الجوهر والعرض والشيء والمعدوم (ينظر: الراوي ، 1974: 236-296) .