... وتُعد التربية عملية ترتبط أشد الارتباط بالثقافة وبنائها التراكمي، كما إنها وسيلة لحفظ الثقافة عِبر الاجيال المتتالية والتلاؤم معها، ومن خلال التربية تتم عملية التشكيل الفكري للافراد والجماعات، ولكن هذا التشكيل يختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر ومن عصر إلى عصر آخر بحسب الظروف الخاصة بكل مجتمع، والقوى والعوامل المؤثرة فيه، وتبعًا للتغيرات التي يفرضها كل عصر (عبود ، 1978: 51-52) .
... كذلك يصعب الحديث عن فلسفة التربية في أي مجتمع، من دون تمهيد لها بالقوى أو العوامل الثقافية التي أثرت وتأثرت فيها، وذلك لانها فلسفة تربوية وليدة بمجتمع معين له ظروفه الخاصة، التي تختلف عن تلك الظروف التي تحيط بمجتمعات أخرى (النوري، 1979: 259) .
... إن العوامل الثقافية تختلف بأختلاف العصور وتعاقبها، وتتطور أيضًا بتطور الظاهرة المدروسة بحيث لايمكن الاقتصار في البحث على تقصي تلك العوامل داخل أطارها الزمني أو ضمن فترتها التطورية، لأن كثيرًا من الظواهر تمتد جذورها في العمق بعيدًا عن زمنها لكن تأثيرها يبقى قائمًا ملحوظًا.
... لعل من اهم شروط الدراسات المقارنة العلمية الموضوعية هو الوقوف على العوامل الحقيقية والاسباب التي تكمن خلف الظاهرة أو المشكلة المراد دراستها وتوضيحها، وبما ان هذه الدراسة هدفها التعرف على الفكر التربوي العربي الاسلامي من خلال الكشف عن الافكار التربوية عند كلٍ من المعتزلة والاشاعرة والوقوف على أوجه الشبه والاختلاف مابين الافكار التربوية عند كلٍ من المدرستين، للوصول إلى ملامح عامة للفكر التربوي العربي الاسلامي ، لذا تقتضي الحاجة إلى البحث عن هذه العوامل وكشفها وتحليلها وتبيان تأثيرها في تشكيل الاساس الفكري عند مفكري المدرستين.