خامسًا: العوامل الحضارية:
... من المعروف ان بلاد العرب لم تكن في زمن الجاهلية خلوًا من حضارة ما. وفي القرآن الكريم دليل على ذلك من ذكر امور التجارة وطرقها والصنائع والكتابة والنقود ... وغيرها كما في قوله تعالى: { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ( - ) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ } (قريش: 1،2 ) . يضاف إلى ذلك ماتنقله لنا كتب التاريخ من قيام دويلات في ارض العرب ، يبرهن على انه للعرب قبل الاسلام اتصال بالعمران السائد يومئذ (المقدسي، 1980: 29) .
... ولكن لما جاء الاسلام وتوسعت الفتوحات ازداد الاتصال وتنظم بوسائل متعددة ومتنوعة منها العقيدة الدينية ممثلة بالاسلام باعتباره دين للبشرية جميعًا، واللغة والتزاوج مابين العرب والقوميات الأخرى، والرقيق الذي يجلب من الفتوحات الاسلامية وماكان يؤديه من دور في الحياة الاجتماعية ، والأمر الآخر الاختلاط مابين العربي وبقية شعوب العالم ولاسيما ابن الحضارتين الرومانية والفارسية بعد ان تغلب الاسلام عليهما. وهذا مانلمسه من كلام معاوية بن ابي سفيان للخليفة الثاني عمر بن الخطاب، بعد ان استقبل الاخير عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزيه من العديد والعدة، فاستنكر الخليفة ذلك وقال: أكسروية يامعاوية؟ فقال: يا امير المؤمنين أنا في ثغر تجاه العدو، وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة (ابن خلدون ، د.ت: 203) .
... ولما انتقل مركز الخلافة إلى الشام خطا العرب المسلمون إلى الامام في سبيل الحضارة، فبعد أن كانوا في المدينة لعهدهم الاول يحسبون التجافي عن الرفاه والرخاء واجبًا دينيًا صاروا لما استقر ملكهم في الشام يتأنقون في اسباب الحياة الحضرية، فلبسوا الحلل المزركشة واقاموا الابنية الفاخرة، وانصرفوا الا القلائل منهم إلى الملاهي، ولم يكن هذا في دمشق فقط بل ظهر في كثير من الامصار الاسلامية كالكوفة والبصرة والمدينة ... وغيرها (المقدسي، 1980: 31) .