فهرس الكتاب
لكن الملاحظ أنَّ الاستقراء ناقص؛ لأنَّ النَّتائج التي توصَّل إليها كُلٌّ منهم اختلفت، ولو كان الاستقراء تامًا لما اختلفت النَّتائج. وقد احتج العلماء أيضًا بأنَّ هذا الرَّأْي تُؤيّده الأحاديث التي تقدَّم ذكرها. وما نتبيّنه من شرح هذه الأحاديث أنَّ اختلافًا قد حدّث بين الصَّحابة في قراءة القرآن، وأنَّ سبب الاختلاف راجع إلى هذه الأحرف السَّبعة، التي نتجت عن طلب الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - من جبريل التَّخفيف والتَّهوين على أُمّته؛ لأنَّها لا تطيق ذلك، فأجابه إلى طلبه، وأمرهم أنْ يقرئهم القرآن على حرفين، ثُمَّ كرَّر الطَّلب، وكرَّر هو الزِّيادة حتَّى بلغت سبعة أحرف.
ومن هذا يتضّح أنَّ في كُلّ حرف منها تخفيفًا وتهوينًا على الأُمَّة، وتسهيلًا عليها في قراءة القرآن.
ثانيًا: الأحرف السَّبعة هي لهجات سبع:
ذهب إلى هذا الرَّأي جماعة من العلماء منهم: أبو عبيد بن سلام، وثعلب، والأزهريّ، واختاره ابن عطيّة في مقدمة تفسيره، ووصفه بأنَّه المذهب الصَّحيح، وصحَّحه البيهقيّ [1] ، و مال إليه الألوسيّ في مقدمة تفسيره [2] ، وقد نسبه ابن الجرزي لأكثر العلماء [3] ، كما نصت عليه أشهر معاجم اللُّغة العربيّة، فقد قال ابن منظور:"ما جاء في الحديث في قوله - عليه السلام -: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) ، أراد بالحرف اللُّغة، قال أبو عبيد وأبو العباس: نزل على سبع لغات من لغات العرب. روى الأزهريّ عن أبي العباس أنَّه سُئِلَ عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (نزل القرآن على سبعة أحرف) ! فقال: ما هي إلاَّ اللُّغات، قال الأزهريّ: فأبو العباس النَّحويّ ـ وهو واحد عصره ـ قد ارتضى ما ذهب إليه أبو عبيد واستصوبه" [4] .
(1) الألوسيّ: روح المعاني، الطِّباعة المصريّة، مصر، دون تاريخ، 1/21.
(2) المرجع السَّابق، 1/21.
(3) ابن الجرزي: النَّشر، 1/24.
(4) ابن منظور: لسان العرب، 10/385-386.