فهرس الكتاب
وما رَوَوْهُ عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - لا يفيد أكثر من أنَّه وجه من وجوه الاختلاف في الأحرف السَّبعة. يقول العلماء:"ثُمَّ أنَّه يستلزم أنْ تكون الأحرف السَّبعة قد زالت ولم يبق منها إلاَّ حرف واحد بعد نسخ عثمان للمصاحف؛ لأنَّ أمثال هذه الأحرف المتغايرة في الصُّورة، المتقارنة في المعنى، ما لا يمكن أنْ يحتمله رسم المصحف، وهذا مخالف لرَأْي جمهور العلماء الذين يرون أنَّ الأحرف السَّبعة لا زالت باقية في قراءة القرآن إلى اليوم، ويحتملها رسم المصحف، وأنَّ ما لا يحتمله فهو مِمَّا نُسِخَ، ثُمَّ أنَّ دلالة الأحاديث لا تُؤيِّد هذه الوجهة، فإنَّ حصر الخلاف الذي وقع بين الصَّحابة ـ الذين أقرأهم الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ـ في هذا الاختلاف في الألفاظ ذات المعاني المتفقة لا دليل عليه" [1] .
مِمَّا سبق يتضّح لنا تضعيف العلماء لهذا الرَّأْي.
الرَّأْي الثَّاني: أنزل القرآن على سبع لهجات من لهجات العرب مع الاختلاف في تعيينها [2] .
توفَّرت في هذا الرَّأْي نواحي الاختلاف التي تقتضي التَّيسير والتَّخفيف على الأُمَّة، وهو الأرجح عندي؛ لأنَّه المناسب والأكثر تمشيًّا مع دلالات الأحاديث السَّابقة، فهو يشتمل على جميع أوجه الاختلاف التي بين القبائل العربيّة في نطق وأداء اللُّغة، وفي ذلك تيسير من الله تعالى ورحمة.
(1) عبد الجليل عبد الرَّحيم: لغة القرآن، 97-98.
(2) الثَّعالبيّ: التَّفسير، موسوعة الأعلميّ، بيروت، لبنان، دون تاريخ، 1/16، والألوسيّ: التَّفسير، 1/21.