الصفحة 37 من 44

قال ابن قتيبة:"فكان من تيسير الله تعالى أنْ أمر نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بأنْ يُقرئ كُلّ أُمَّة بلغتهم وما جرت به عاداتهم، فالهذليّ يقرأ:"عتى حين"يريد: { حَتَّى حِينٍ } [المؤمنون: 54] ، وأنَّه هكذا يلفظ بها ويستعملها، والأسديّ يقرأ:"تعلمون"،"تعلم"، { وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [آل عمران: 106] ، و { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ } [يس: 60] بكسر حرف المضارعة، والتَّميميّ يهمز، والقرشيّ لا يهمز، والآخر يقرأ:"قيل لهم"، و"غيض الماء"، بإشمام الضَّم الكسر، وأيضًا { هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } [يوسف: 65] بإشمام الكسر الضَّم، و { مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ } [يوسف: 11] ، بإشمام الضَّم مع الإدغام. ولو أنَّ كُلّ فريق من هؤلاء أمر أنْ يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلًا، وناشئًا، وكهلًا، لاشتدَّ ذلك عليه، وعَظُمَت المحنة فيه، ولم يمكنه إلاَّ بعد رياضة للنَّفس طويلة، وتذليل للِّسان، وقطع للعادة، فأراد الله تعالى ـ برحمته ولطفه ـ أنْ يجعل لهم متسعًا في اللُّغات، ومتصرّفًا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدِّين" [1] .

أمَّا هذه اللُّغات السَّبع التي نزل بها القرآن فقد اختلف العلماء في تعيينها:

قال السُّيوطيّ:"قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، قال: العجز: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهؤلاء كُلّهم من هوازن، ويقال لهم: علياء هوازن، ولهذا قال ابن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم" [2] .

(1) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، 1/39.

(2) السُّيوطيّ: الإتقان، 1/47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت