فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 470

فالعلماء ينصرفون عن ملذات الدنيا المباحة كلها من مال وزوجة وأولاد من أجل العلم-والعلم وحده لا غير-حتى قال بعض الشعراء في ذلك-وقد أتته جارية جميلة تعرض نفسها عليه للزواج بها-بعد أن دفعت له كيسًا من الدنانير الذهبية تطلب منه أن يتزوجها لتقوم بخدمته لا غير-فرفض قائلًا-خشية أن تشغله عن طلب العلم-:

فقلت: ذريني واتركيني فإنني

شغلت بتحصيل العلوم وكشفها

ولي في طلاب العلم والفضل والتقى

غنى عن غناء الغانيات وعرفها

ويقول ابن الجوزي:(من أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذة البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر:

أهتز عند تمني وصلها طربًا * ورب أمنية أحلى من الظفر

ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يُقَوَّمُ، فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك؟! فقلت له أيها الجاهل: تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدت إلى صديق.

جزى الله المسير إليه خيرًا * وإن ترك المطايا كالمزاد) [1] .

(1) -انظر: (صيد الخاطر) (2\329) ، و (صور من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:307) لصلاح الدين محمود السعيد. والمطايا: المراد هنا النوق التي أضناهن السير، حتى تركها جلدًا على عظم، والمزاد جمع مزادة، وهي القربة من جلد إذا كانت خالية من الماء، فإنها تكون لا قوة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت