أو: من يأتي بعدهم من الألباء، والنقاد المبدعين الأصفياء، والمستقرئين الغواصين الأذكياء... ست سنوات وأنا أصطاد وأسجل بزنزانتي الانفرادية ما يقع لي من الفوائد اللطيفة الجامعة المانعة اللامعة الرائعة والفرائد الغالية العالية، أثناء دراستي لكتب الجرح والتعديل [1] -وكل ما له علاقة بعلم الحديث رواية ودراية-التي اشتملت على مُلَحٍ لطيفة، وألفاظ فصيحة، ومعان بديعة، ونكت عزيزة، وطرائف غزيرة، وفوائد عديدة، وشوارد دقيقة، ومنارات منيفة، وتُحَفٍ سَنِية جليلة، وطُرَر جلية وجيزة، ميزت الصحيح القوي القائم، والضعيف السقيم الواهي المردود، حتى إن الأعداء اعترفوا-كما اغترفوا-ونطقوا بالثناء على هذا العلم وأهله يقول الدكتور سبرنجر:(يحق للمسلمين أن يفتخروا بعلم الرجال كما شاءوا.
فلم توجد أمة في الماضي ولا في الحاضر دونت تراجم وسير العلماء خلال اثني عشر قرنًا كما فعل المسلمون.
فبإمكاننا، الحصول على تراجم خمسمائة عالم من المشهورين من كتبهم).
والفضل والحق-كما يقال-ما شهدت به الأعداء.
وما الفضل إلا ما أقرت به العدا
لصاحبه والشمس لا تَتَسَتَّرُ [2]
(1) -الجرح والتعديل: هو قواعد وألفاظ تعارف عليها المحدثون في تزكية الرواة ونقدهم. انظر: (معجم علوم الحديث النبوي) (ص:84\رقم:207\298\209) . ثم الجرح إن بُيّن فيه سببه، فهو جرح مفسَّر، وإن لم يذكر فيه سببه فهو جرح مبهم.
(2) -انظر: (إتحاف الطالب إلى مراتب الطلب) (ص:743) . والله لو كان يجوز لي أن أمدح الشيوعيين على هذه الخدمة الجليلة-أعني: سجنهم وتعذيبهم لي-وأشكرهم لفعلت، فقد دبروا لي شرًا قبيحًا وقلب الله شرهم خيرًا عظيمًا... وفي الشر خير كبير... (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم) .
فقد كذبو علي وقالوا عني ما لا يحسن الشيطان مثله، يخلقون ما يقولون، وكأن منصور بن سليمان عناهم حين قال:
لي حيلة فيمن يَنُمُّ * وليس في الكذاب حيلهْ
من كان يخلق ما يقول * فحيلتي فيه طويلهْ
انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (7\110\رقم:303) تحقيق: الدكتور بشار عواد، و (ذاكرة سجين مكافح) (3\89) .