بِما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال وبقرائن ترشد إلى ذلك [1] . إلى آخر ما سيأتي قريبًا في هذه الرسالة المتواضعة، وبهذا وغيره قويت رغبتي في جمع بعض ألفاظ التجريح النادرة، أو: قليلة الاستعمال، فلما فتشت في كتب الجرح والتعديل، وكتب التاريخ، وكتب الضعفاء، وكتب العلل فجرتُ منها ثَبَجَ بحر، وازددت يقينًا أنه (كم ترك الأول للآخر) [2] .
ويقيني بخطأ تلك المقولة المشهورة والمشئومة التي تقول: (لم يترك الأول للآخر شيئًا) ، ويقيني أيضًا بصواب قول حبيب ابن أوس الطائي [3] :
لا زلت من شكريَ في حُلةٍ * لابسها ذو سلبٍ فاخرِ
يقول من تقرع أسماعه * كم ترك الأول للآخر
(1) -ذكر الحافظ ابن كثير في كتابه: (الباعث الحثيث) (1\321) تحت عنوان: (النوع الثالث والعشرون: معرفة من تُقبل روايتُه ومن لا تقبل، وبيان الجرح والتعديل) ما نصه: (... وقد بسط ابن الصلاح الكلام في ذلك-انظر:"المقنع"(1\282\287) -. والواقف على عبارات القوم يَفهم مقاصدَهم بما عَرَف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك، والله الموفق).
(2) -وقد قيل: (ليس كلمةٌ أضرَّ بالعلم من قولهم:"ما ترك الأول للآخر"، لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، قالوا: وليس كلمة أحض على طلب العلم من قول علي-رضي الله عنه-:قيمة كل امرئٍ ما يحسن) . انظر: (قواعد التحديث) (ص:38/39) للقاسمي، و (علو الهمة) (ص:59) .
(3) -انظر: (ديوانه) (2\161) ، و (شرح المقامات) (1\36) للشريشي. وكما قيل:"ليس أضر على طالب العلم منها". انظر هامش: (تعقبات الحافظ ابن حجر على الإمام الذهبي في"ميزان الاعتدال") (ص:5) للأستاذ: علي بن محمد العمران.