أناط الشارع في مأكولات ومشروبات الإنسان أن تكون خالية من الضرر، فنصَّ على بعض المحرَّمات: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ] (المائدة: 3) ، وكما في تحريم الخمر بغيًا، فما حكم تعاطي المخدرات؟، وما حكم التدخين؟، وما حكم الإفراط في أكل اللحوم المباحة والنشويات والحلويات لمرضى السكري؛ هل هو القياس، أم تغليب المصلحة؟، كلاهما في الأثر والنتيجة سواء.
فإن قلت: إن العمل ـ الآن في هذا الزمان، أي بعد زمن التشريع ونزول الوحي ـ أصبح بالنصوص الناسخة، والمتأخرة في النزول، فلا يخالفك أحد، وإن قلت إن مجمل التشريع بهذه الأساليب المتنوعة يدل على ضرورة أن يكون المجتهد والفقيه على علم وإلمام بمقاصد الشريعة ليراعيها في العمل بالأحكام الشرعية وعند تنفيذ وتطبيق تلك الأحكام.
وهنا أود الإشارة إلى الناس ـ في الإجمال ـ متفاوتون في التعامل مع الشريعة، وهم ما بين متمسك بالنص الحرفي لا يحيد عنه لدرجة الإفراط، وما بين متساهل في الرأي لدرجة المغالاة لدرجة التفريط، والوسط كما أراه: هو الذي يُعمل التوافق والتكامل ما بين النص الحرفي والمقصد الشرعي.
فنأخذ أقوى ما في الشرع، وأفضل ما في العقل، وبالعقل عرفنا روح الشريعة، وأهمية المصلحة؛ بشرط أن يكون للمصلحة مثيلاتها في أصل الشريعة، أو كان الشرع قد شهد لها أو لمثيلاتها بالاعتبار.
فلا جمود بالتفريط، من خلال تغليب الشريعة على الفهوم، بالوقوف على ظاهر النصوص، ولو أدى إلى تسفيه العقول، كما في زكاة الفطر والتقيد بنوع ما تُخرَج منه؛ القمح والشعير والتمر والزبيب، فمصلحة الفقراء اليوم أن يُعطوا قيمة زكاة الفطر، لا عين القمح والشعير.