كما أن المصلحة الشرعية المعتبرة قد تكون مخصصة للعام؛ أو مقيدة للمطلق، أو متقدمة على خبر الآحاد؛ دفعًا للحرج، وعدم إرادة العسر، وتخصيص العام أو تقييد المطلق، قد يكون لفظيًا بنص آخر، وقد يكون معنويًا بطريق المصلحة المعتبرة شرعًا، وهي تحقيق المقاصد الشرعية.
ولا يجوز بحال من الأحوال أن تقف المصلحة المرسلة أمام نص مقطوع به في الثبوت والدلالة على الحكم، سواء كان نصًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وذلك أن المصلحة مهما بلغت من القوة فلن تصل إلى درجة النص المعيِّن القطعي في ثبوته ودلالته، لكنها تصلح أن تكون بيانًا وتفسيرًا للعمومات والظواهر.
*القول في تعارض المصالح:
معلوم أن المصالح كلها ليست في درجة واحدة، بل في درجات مختلفة؛ فمنها: الراجح ومنها المرجوح وقد لا يظهر الرجحان، كما أن المفاسد كليها ليست في درجة واحدة، بل متفاوتة وقد لا يظهر التفاوت.
يقول العز بن عبد السلام: (إن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وإن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وإن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وإن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، وإن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك، وكذلك الشرائع: على تحريم الدماء ـ القتل ـ، والأبضاع ـ الزنى ـ والأموال ـ السرقة والغصب ـ والأعراض ـ القذف والإيذاء ـ، وعلى تحصيل الأفضل فالأفضل من الأقوال والأعمال، ... وكذلك الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى ولا يبالون بفوات أدناهما، ... فإن تعذر درء الجميع ـ المفاسد ـ أو جلب الجميع أ لمصالح ـ فإن تساوت الرتب تخير، وان تفاوت استعمل الترجيح عند عرفانه، والتوقف عند الجهل به) (11) .