تعتبر رسالة الغفران من النصوص التي يسميها رولان بارت (نصوص الكتابة) والتي تحول القارئ إلى منتج للمعنى في مقابل (نصوص القراءة) المغلقة التي لا تسمح للقارئ إلا أن يكون مستهلكا للمعنى. والقارئ هنا هو القارئ الناقد الذي يستطيع أن يميز بين هذين النوعين من النصوص. ونصوص الكتابة هي نصوص مفتوحة أمام القارئ، ومليئة بالفجوات التي تتيح للقارئ أن يملأها بما قد لا يكون ورد على ذهن منتجها . وغازي القصيبي في معارضته لرسالة الغفران كان كمن يعيد كتابة نص قديم بلغة عصرية حديثة تحمل في طياتها استدراكا لما كان يجب أن تتضمنه رسالة الغفران. والحقيقة أن جينات رسالة الغفران لها دور فعال في تشكيل بعض ملامح وسمات التقنيات والحيل السردية في العصفورية؛ فتقنية السرد العلائية المتميزة بالاستطراد، والتفسير، والاستشهاد، وحشد أسماء الأعلام، وإدراج كمٍّ هائل من المعلومات التي تفاجئ السامع والقارئ إلى حد الانبهار، كل ذلك يتكرر بكل وضوح في العصفورية منذ البداية، وكأنه إعلان مسبق بمعارضتها. ويكفي إلقاء نظرة سريعة على صفحات قليلة من العصفورية لندرك الخلفية النصية لهذه التقنية السردية، ومن أمثلة ذلك في العصفوريةتفسيره لمعنى كلمتَيْ (المحاجم والجلم) اللتين وردتا في قول المتنبي (أين المحاجم يا كافور والجلم) بقوله للدكتور سمير ثابت:"والمحاجم، يا نطاسي، هي القوارير التي تجمع فيها دماء الحجامة [1] ومثل قوله حين ورد بيت المتنبي (أنوك من عبد ومن عرسه/ من حكم العبد على نفسه) "وأنوك، يا حكيم، معناها أحمق" [2] وحين كان البروفيسور يتحدث عن السمفونيات شرح للدكتور سمير ثابت معنى هذه الكلمة ومصدرها فقال:"وسمفونية يا نطاسي مأخوذة من الكلمة اللاتينية سمفونيا، وهي بدورها مشتقة من جذر لاتيني يعني الصوت الجماعي." [3] "
(1) القصيبي، العصفورية، 47.
(2) القصيبي، العصفورية، 48.
(3) القصيبي، العصفورية،70..