ومعنى هذا أنَّ حركاتِ القلبِ والجوارحِ إذا كانت كلُّها لله فقد كمُلَ إيمان العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا ، ويلزم من صلاح حركات القلبِ صلاحُ حركات الجوارح ، فإذا كان القلبُ صالحًا ليس فيهِ إلاَّ إرادةُ الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارحُ إلاَّ فيما يريده الله ، فسارعت إلى ما فيه رضاه ، وكفَّتْ عمَّا يكرهه ، وعمَّا يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لمْ يتيقن ذلك 5 .
إذا علمت ذلك"وجبت العنايةُ بالأمور التي يصلحُ بها القلبُ، ليتَّصفَ بها ، وبالأمور التي تفسد القلب ليتجنبها"6 .
الأصل الثالث: القلب كثير التقلُّب
عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: لا أقول في رجل خيرًا ولاشرًا،حتى أنظر ما يختم له ـ يعني ـ بعد شيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل: وما سمعت ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: » لقَلب ابنِ آدمَ أشدُّ انقلابًا من القِدْرِ إذا اجْتَمَعَتْ غَلَيانًا «7 .
ومعلومٌ سرعةُ حركةِ القدْرِ 8.
وقال القائل:
فاحذْر على القلب من قَلْبٍ وتحويل9 ... ... ما سُمِّيَ القلب إلاّ مِنْ تقلُّبِه
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرًا لبطن « 10.
فهنا يصوِّر لنا الرسول صلى الله عليه وسلم القلب وكأنه ريشة لخفته ولتأثير الفتن عليه ، صغيرها وكبيرها تماما مثل الريشة التي تؤثر فيها أقل النسمات فتغير اتجاهها ؛ ولاستيقان الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة كان يحلف: » لا ومقلِّب القلوب « 11 .
فأدْنى شيءٍ يخدشُه ويُدنِّسُه ويؤثِّرُ فيه ، فهو كأبيضِ ثوبٍ يكونُ ؛ يؤثِّرُ فيه أدنى أثرٍ ، وكالمرآةِ الصافية جدًّا ؛ أدْنى شيءٍ يؤثِّرُ فيها ، ولهذا تُشوِّشُهُ اللحظةُ واللفظةُ والشهوةُ الخفية12 .
الأصل الرابع: القلب عرضةٌ للفتن