عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعرض الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَت فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَعُودَ القُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: قلبٍ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا ؛ إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ، وَقَلبٍ أَبْيَضْ ، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ«13 .
فشبَّه عَرْضَ الفِتَنِ على القُلوبِ شيئًا فشيئًا ؛ كعَرْضِ عيدانِ الحصيرِ شيئًا فشيئًا .
وقسَّمَ القلوبَ عندَ عرضِها عليها إلى قسمينِ:
قلبٌ إذا عُرِضَتْ عليهِ فتنةٌ أُشْرِبَها ؛ كما يُشْرَبُ السِّفَنْجُ الماءَ ، فتُنْكَتُ فيه نكتةٌ سوداءُ .
وفي حديث الإفك: قالت عائشة لأبويها رضي الله عنهم:"ـ والله يشهد إنِّي صادقة ـ ما ذاك بنافعي لكم ، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم .."14 أي: حل فيها محل الشرب وقبلوه 15 .
فلا تأمل له عنه انصرافا ... ... إذا ما القلب أشرب حبَّ شيءٍ
فلا يزالُ يُشْرَبُ كلَّ فتنةٍ تُعْرَضُ عليهِ حتى يَسْوَدَّ وينتكسَ ، وهو معنى قولِهِ: » كالكوزِ مُجَخِّيًا « ؛ أي: مكبوبًا منكوسًا ، فإذا اسودَّ وانتكسَ عرضَ لهُ مِن هاتينِ الآفَتَينِ مرضانِ خطيرانِ متراميانِ بهِ إلى الهلاكِ .
أحدُهُما: اشتباهُ المعروفِ عليهِ بالمنكرِ ، فلا يعرِفُ معروفًا ، ولا يُنْكِرُ منكرًا ، وربّما استحكمَ عليهِ هذا المرضُ حتى يعتقِدَ المعروفَ منكرًا ، والمنكرَ معروفًا ، والسُّنَّةَ بِدعةً والبدعةَ سُنَّةً ، والحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا .
الثَّاني: تحكيمُهُ هواهُ على ماس جاءَ بهِ الرسولُ صلى الله عليهوسلم ، وانقيادُهُ للهوى واتِّباعُه لهُ .