الصفحة 3 من 23

وقبل التطرق إلى الحديث عن موقف الظاهرية من التعليل العقدي باعتباره مقدمة كلامية ـ كما اتضح ـ فرضت عليهم إنكار التعليل الأصولي وجب بيان معنى التعليل، ففي وضع اللسان التعليل مصدر علّل بمعنى سقى سقيا بعد سقي، ويُقال علَّ الضاربُ المضروبَ إذا تابع عليه الضرب [2] . أما اصطلاحًا فالتعليل إظهار عليّة الشيء، سواء كانت العلة تامة أو ناقصة، وقيل هو تقرير ثبوت المؤثر في إثبات الأثر، وهو بخلاف الاستدلال الذي يُعرف بتقرير ثبوت الأثر لإثبات المؤثر، وقيل بل يدخل في معناه إن قيل الاستدلال هو تقرير الدليل لإثبات المدلول، سواء كان ذلك من الأثر إلى المؤثر أو العكس، أو من أحد الأثرين إلى الآخر [3] ، لذا قال أهل المناظرة التعليل ما يستدل فيه من العلة على المعلول، ويسمى عندهم برهانا لمّيا [4] وهو نوع من الاستدلال.

والعلة المُعلَّل بها أفعال الباري تعالى هي العلة الغائية المعبَّر عنها بالغرض، وهي لا تصدر إلا عن فاعل مختار [5] ، وقد علَّل بها أكثر المتكلمين كالمعتزلة والماتريدية ومن وافقهم اعترافًا منهم بمشيئته تعالى واختياره، وردًّا على الفلاسفة الذين أنكروا كونه مختارًا بزعمهم أنه فاعل موجب، إلا أن الظاهرية ومن وافقهم خصَّصوا الحكمة في فعله تعالى دون العلة الغائية، وليس في ذلك ما ينفي كونه مختارًا عندهم [6] ، ظنًّا منهم أن الغرض يكون مؤثرًا في نفس الفاعل باعثًا على فعله، وذلك في حقه تعالى محال، فلم يجز التعليل به ولا بأشباهه من الأوصاف [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت