الصفحة 5 من 23

وفيما يخص موضوعنا فقد خلَّف ابن حزم مجموعة من الآراء حول قضية التعليل العقدي، فهو يرى أن الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلة صحيحة، وأن السفيه هو الذي يفعل لا لعلة، إنما فعل الحكيم تعالى يكون فعلا محكما لأنه سماه كذلك، فلا اعتبار للحكمة الإلهية بالعلل كما في الشاهد، وبالتالي لا قياس، يقول موضحا ذلك: «وقالوا الحكيم بيننا لا يفعل إلا لعلة صحيحة، والسفيه هو الذي يفعل لا لعلة، فقاسوا ربهم على أنفسهم، وقالوا إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده» [10] . لتكون الحكمة الإلهية عند إمام الظاهرية غير معتبرة بالعلل أو بالأغراض، وإنما تتعلق بالمشيئة فهو يفعل ما يشاء [11] . وهذا نفسه المذهب الذي عوَّل عليه الأشاعرة، إلا أن ابن حزم ـ كعادته ـ شدَّد النكير على المعلِّلين، حتى إنه بالغ في معارضتهم بعقد الأدلة والحجج على إبطال مذهبهم قائلا: «أخبرونا عن هذه العلل التي تذكرون أهي من فعل الله تعالى وحُكمه، أم من فعل غيره وحكم غيره، أم لا من فعله ولا من فعل غيره» [12] ، ثم واصل كلامه لما أقرّ الخصم أنها من فعل الله وحكمه قائلا: «قلنا لهم أخبرونا عنكم أفَعلها الله تعالى لعلة أو فعلها لغير علة، فإن قالوا فعلها تعالى لغير علة تركوا أصلهم، وأقروا أنه يفعل الأشياء لا لعلة... وإن قالوا بل فعلها تعالى لعلل أخرى، سئلوا في هذه العلل أيضا كما سئلوا في التي قبلها وهكذا فلا بد لهم من ضرورة من أحد الوجهين لا ثالث لهما، إما أن يقفوا في أفعال ما فيقولوا إنه فعلها لغير علة، فيكونوا بذلك تاركين لقولهم الفاسد أنه تعالى لا يفعل إلا لعلة، أو يقولوا بمفعولات لا نهاية لها، وأشياء موجودة لا أوائل لها، وهذا كفر وخروج عن الشريعة بإجماع الأمة» [13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت