فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 296

قال الباقلاني: فإن قال قائل خبرونا عن جميع الكفرة والعصاة بضروب المعاصي هل كان جائزا في العقل أن يغفر الله لجميعهم .

قيل له أجل لو قسم جميعهم للجنة لجاز ولم يكن ما وجد من كفرهم وعصيانهم دليلا على أنه يؤلمهم بالنار لا محالة . لأن إيلام الله تعالى لمن يؤلمه ليس يوجد منه لعلة لولاها لم يوجد بل جعل الله تعالى أفعال العباد دليلا على ما قسمه لهم ويدل على ذلك أن العقاب حق له يجوز له أخذه وتركه فوجب أن يكون جاريا مجرى التفضل بإنعام غير مستحق ولأنا قد علمنا جميعا حسن ترك عقوبة الذنب ممن استحقه بجناية عليه وقد اتفق المسلمون وغيرهم أيضًا على حسن العفو والصفح عن عقوبة الذنب وعلى مدح من لا يتم ما يتوعد به وتعظيمه ومدحه بالعفو عن فعله قال كعب بن زهير:

نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول

وأنشده للنبي (صلى الله عليه وسلم) فلم ينكره ولا أحد من المسلمين وقال آخر:

وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وقال آخر في ذم من يفي بوعيده أبدا وليس الصفح من سجيته:

كأن فؤادي بين أظفار طائر ... ... من الخوف في جو السماء معلق

حذار امرىء قد كنت أعلم أنه ... متى ما يعد من نفسه الشر يصدق

فذمه على الوفاء بالوعيد.

ولا خلاف بين أهل اللغة أن العفو عن الذنب بعد تقدم الوعيد لا يوجب ذم المتوعد ولا جعل خبره كذبا وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب وقد أمرنا به وحضنا عليه ومدح من هو من شأنه وقد أجمع الكل على أن ما أمر به وحض عليه ومدح فاعله فليس بقبيح قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} ثم قال تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] يعني الواهبين لما استحقوه بما جني عليهم وقال: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [2] وقال: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا} [3] .

(1) سورة آل عمران134

(2) سورة البقرة237

(3) سورة التغابن14

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت