كلانا مصل: واحدٌ ساجدُ إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل سجدة
وتظهر للعشاق في كل مظهر ... من اللبس في أشكال بديعة
ففي مرة ولبنى وأخرى بثينة ... وآونة تدعى بعزة غرتي
ولسن سواها ولا كن غيرها ... وما إن لها في حسنها من شريكة
ففي البيت الأول يزعم أن الذات الإلهية تجلت له فرآها في كل الوجود، وفي الثاني شهد الوجود الإلهي ولم يجد للرب سوى وجوده (ابن الفارض) وفي الثالث خشي أن يتوهم أحد أن ذلك الوجود وهم طارئ، أو سكرة، فنبه إلى أن ذلك كان في (الصحو) وهو عند الصوفية رجوع العارف إلى الإحساس بعد السكرة التي تختلط عليه فيها الأمور ويتداخل عنده الخالق والمخلوق، ويصدر منها الكفر، فنبه ابن الفارض أن ذلك حقيقة في الصحو، وهو بذلك هتك الستر والسر وهو عدم المغايرة بين الرب وخلقه - تعالى عما يقول علوًا كبيرًا - وفي جميع الأبيات الباقية يزيل الفرق بين العابد والمعبود ويدعي أنه لولاه (ابن الفارض) لم يكن وجود، وأن كل حي لم يكن إلا به، وهذا هو الكفر الصريح، ثم لم يدع فرقًا بينه وبين الله فكلاهما ساجد إلى نفسه، ولفظة كلانا قد تقتضي اثنين فنجده يستدركها في البيت الذي يليه ليزال ذلك التوهم فلم يكن يصلي إلا لنفسه [1] .
والحلوليون مع تصريحهم بما يدل عليه إلا أنهم ينفرون لفظه، فنجد ابن الفارض مع ذلك ينفي الحلول بقوله:
ولي من أتم الروايتين إشارة ... تنزه عن رأي الحلول عقيدتي [2]
(1) انظر شرح الأبيات في: هذه هي الصوفية، عبدالرحمن الوكيل 25-30، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة 1984م.
(2) ديوان ابن الفارض 95.