الصفحة 8 من 26

ويستفاد من هذا الحديث الحثّ على برّ الوالدين وعظيم ثوابه، وأنَّ برّهما عند ضعفهما وكبرهما بالخدمة أو بالنَّفقة أو غيره سبب لدخول الجنَّة، فمَنْ قصَّر في ذلك؛ فاته دخول الجنَّة، وأرغم الله أنفه، ويؤيِّد هذا الحديث قوله تعالى [الإسراء: 23] .

ومهما فعل الإنسان من برّ تُجاه والديه؛ فإنَّه لن يوفيهما حقّهما عليه، فقد رُوِيَ أنَّ رجلًا اشتكى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباه، وأنَّه يأخذ ماله، فدعى به، فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا، فسأله فقال:"كان ضعيفًا وأنا قوي، وفقيرًا وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئًا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني، فبخل عليّ بماله"، فبكي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: (ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلاَّ بكى) ، ثُمَّ قال للولد: (أنت ومالك لأبيك) مرتين [1] .

وشكى إليه آخر سوء خُلُق أمه، فقال: (لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين) قال: ما فعلت؟ قال:"حججتُ بها على عاتقي"قال: (ما جزيتها ولو طلقة) .

ومن هنا ندرك أنَّ رضا الوالدين يكون بعيد المنال، فعلى الولد أنْ يحرص أشدّ الحرص على رضا الوالدين؛ فإنَّ رضاهما سعادة في العاجل والآجل، كما عليه أنْ يحذر غضبهما؛ فإنَّ غضب الوالدين من المهلكات. ولا يخفى ما يضمره المرء من الميل إلى برّ الوالدين من خلوص نية أو رياء، ومن رضى أو كراهية، فإنْ قصدنا البرّ بهما وفرط منا تقصير في حقّهما أو شدّة في مخاطبتهما من غير قصد؛ فإنَّ الله تعالى برحمته يتوب علينا، ويغفر لنا خطايانا.

[2] وجوب طاعتهما إلاَّ في معصية الله تعالى:

(1) أخرجه الطَّبرانيّ في المعجم الكبير، برقم 6961، 7/230.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت