وعلم التراجم علم يعنى بأخبار أولئك القلة الذين خرجوا عن الوصف العام لبني الإنسان ، فصار لهم ذكر وأثر ؛ ولهذا تقف في كتب التراجم على أصناف من البشر ؛ فإن شئت الوقوف على سير الصالحين ، وأخبار المتقين وجدت ، وإن أردت الوقوف على ذكر أصحاب الطبائع الشريرة والأثر السيئ وجدت ، وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه العظيم شيئًا من ذلك ، فهذا ذكر فرعون وهامان وقارون وأعيان من أهل الكفر والطغيان في القديم قبل العهد النبوي ، أو ممن عاصروا نشأة الدعوة الإسلامية وعاندوا وكابروا ، ولقد ذكر الله طبيعة عامة ، وهي أن الإنسان إذا لم يتصف بالتقى والإيمان ؛ فإنه يضل ويطغى ، فقد قال الله سبحانه [1] :"كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى"، وهذا وإن كان سنة وطبيعة بشرية إلا أنهم لا يذكرون ، فلا يذكر كل طاغية وجبار وإنما يذكر البعض منهم ، أما الصالحون المؤثرون خيرًا للعالمين فإنهم على كثرتهم أيضًا لا يذكر منهم إلا القليل كذلك ، ومع أنهم أقل من الطالحين عددًا فيما يظهر من كلام الله تعالى عن الإنسان ، إلا أن من يذكر منهم أكثر ممن ينسى ؛ لأن الله تعالى رفع ذكرهم وأعلى شأنهم وجعل محبتهم في القلوب وذكرهم على الألسن ، وثواب الله عز وجل لهم متصل .
وعلم التراجم علم عام يعنى بالإنسان كفرد ، ويفرض ذكرَه أثرُه النافع أو الضار ، وصلاحه أو فساده ، وإن كان الغالب على من يترجم لهم أنهم من أهل الصلاح أو النفع العام ، أو المكانة الاجتماعية أو السياسية ونحو ذلك .
الباب الأول:
علم التراجم ؛ وفيه مباحث:
المبحث الأول:
المراد به ، ونشأته .
المبحث الثاني:
أهمية دراسته .
المبحث الثالث:
من ثمار وفوائد دراسته .
المبحث الأول:
علم التراجم ؛ المراد به ، ونشأته
(1) سورة الفجر /6-7