الصفحة 49 من 89

الثامنة: ومنها تذكر سنة الله في هذا الكون ، وأن ما مر بهم ، سيمر بمن بعدهم ، والفطن من وعظ بغيره ، نعم سنة الموت والنقلة من هذه الحياة ، هذه السنة الجارية ؛ فكل مخلوق إلى الموت سائر ، وكل من على وجه البسيطة من الخلائق مودع وبائد ، مهما امتدت به السنون ، أو حاز من نعم الدنيا وخيراتها ودورها وأموالها ما حاز ، فإن الموت لا بد منه والفطن من وعظ بغيره ، وليس من كان عظة لغيره ، وعبرة لمن بعده ، فكل هؤلاء الأعلام عاشوا على وجه الأرض ، ومهما كان حالهم ومكانتهم ، وممالكهم وقوتهم ؛ فكلهم إلى الموت سائرون ، ولموقف الجزاء والحساب في الدار الآخرة ينتظرون . يقول الله سبحانه [1] :"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ {27} . يقول ابن الأثير [2] - رحمه الله تعالى -: وأما الفوائد الأخروية فمنها: أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها ، ورأى تقلب الدنيا بأهلها ، وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها ، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم ، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم ، فلم تبق على جليل ولا حقير ، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير ؛ زهد فيها ، وأعرض عنها ، وأقبل على التزود للآخرة منها ، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص ، وسلم أهلها من هذه النقائص ، ولعل قائلا يقول: ما نرى ناظرًا فيها زهد في الدنيا وأقبل على الآخرة ورغب في درجاتها العليا؟ ، فياليت شعري كم رأى هذا القائل قارئًا للقرآن العزيز ، وهو سيد المواعظ ، وأفصح الكلام ، يطلب به اليسير من هذا الحطام فإن القلوب مولعة بحب العاجل . ويقول بعد ذلك أيضًا: ومنها التخلق بالصبر والتأسي ، وهما من محاسن الأخلاق ، فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم ولا ملك معظم ، بل ولا أحد من البشر ، علم أنه يصيبه ما أصابهم ، وينوبه ما نابهم ..."

(1) سورة الرحمن .

(2) الكامل في التاريخ 1/ 10 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت