الصفحة 76 من 89

وأطال ابن حزم [1] - رحمه الله - في بيان فضل هذه الأمة ، وما خصت به من العناية بمعرفة الرجال ، فكان مما قاله: ما نقله الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه ، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان ، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكواف إما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وإما إلى الصاحب ، وأما إلى التابع ، وإما إلى إمام أخذ عن التابع ... وهذا نقل خص الله تعالى به المسلمين ؛ دون سائر أهل الملل كلها ، وبناه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور ، منذ أربعمائة عام وخمسين عاما ؛ في المشرق والمغرب والجنوب والشمال ، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة ، ويواظب على تقييده من كان الناقد قريبا منه ، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم ، والحمد لله رب العالمين . ثم قال عن اليهود: أنهم لا يقربون فيه - أي نقلهم - من موسى - صلى الله عليه وسلم - كقربنا فيه من محمد صلى الله عليه وسلم ، بل يقفون ولا بد حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصرا ، في أزيد من ألف وخمسمائة عام .... قال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط ، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه .اهـ .

وقد بيَّن الإمام المزي [2] - رحمه الله تعالى - صفة من يستحق لقب"الحافظ"فقال: أقل ما يكون ؛ أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم ، أكثر من الذين لا يعرفهم ؛ ليكون الحكم للغاب . اهـ

إن هذه العبارات التي اقتبستها من كلام الأئمة ، تنبئ عن أهمية العناية بهذا العلم والعمل به ، وتدل على شرفه وعظم شأنه ، وقد دللت عباراتهم - رحمهم الله تعالى - على ذلك .

المبحث الثاني:

(1) الفصل في الملل 2/68-69 .

(2) تدريب الراوي 1/30 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت