ثُمَّ قال - رحمه الله تعالى:"فإن قال قائِل: إنَّ سيبويه قد منع إمالتها وحكى الفتح فيها فقال: مِمَّا لا يُميلون ألفه {حَتَّى} و {وأمَّا } و {إلاَّ} فرَّقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو صلَّى، وعطشى."
قيل: هذا لا يلزم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الكسائي قد ثبتت إمامته وشهرته وعدالته. وقد حكى الإمالة فيها كما رواه نصير عنه، وهو من الثقة والضبط بمنزلة لا يجهلها أحَد من علماء النقل للقراءة وغيرهم.
وكذا سيبويه قد اشتهرت عدالته وانتشرت إمامته في علم صناعته.
وإذا كان كذلك، صحَّ أنَّ الذي روياه جميعًا فيها صحيح، ولذلك قرأهما الكسائي وجمعهما في حروفه، أعني الفتح والإمالة للدلالة على صحتهما.
الثاني: أنَّ قول سيبويه هذا محتمل التأويل، إذ جائز أن يكون أراد قوله: مِمَّا لا يُميلون ألفه {حتَّى} أي: في حال الكثرة، لأنَّه قد يستعمل مثل هذا في كتابه كثيرًا من ذلك، لأنَّه قد ذكر بعد ذلك إمالته فقال: وقالوا: هذا فراش، وهذا جراب، يعني مُمَال من أجل كسر أوَّله.
والثالث: أنَّه يجوز أن يكون سيبويه لم تصل إليه الإمالة في {حَتَّى} ، ولم يسمعها، فلذلك لم يذكرها، إذ لا يجوز أن يذكر عنهم إلاَّ ما قد سمعه عنهم أو وصل إليه من الثقات عنهم.
ووصل ذلك إلى الكسائي وسمعه مِمَّن تقوم عنده الحُجَّة به من القُرَّاء والعرب، فلذلك قرأ به.
وإذا كان ذلك كانت الحُجَّة بقول الكسائي دون قول سيبويه، وذلك أنَّ الكسائي مثبت لإمالة لأنَّه عَلِمَهَا وسَمِعَهَا، وسيبويه لم يَعْلَمْهَا ولم يَسْمَعْها. انتهى باختصار" (1) ."
قلت: الذي عليه النُّحاة وأكثر القُرَّاء عدم إمالتها.
قال في النَّشر:"وكذلك أمالوا ما رُسِمَ في المصاحف بالياء نحو: {مَتَى} ، و {بَلَى} ، و {يَا أَسَفَى} … إلى أن قال: واستثنوا من ذلك {حتَّى} ، و {إلى} ، و {على} ، و {لدي} ، و {مَا زَكَى مِنْكُمْ} " (2) .
قال الشاطبي:
(1) الموضّح للداني باختصار: 650 - 655.
(2) النشر: 2/37.