نقول: إذا كان هذا التفصيل في أهل البدع على النحو الذي أحكمه يراع ابن القيم رحمه الله، فإن هذا المبدأ يرد في أهل الملل الأخرى، فإن أهل الملل الأخرى المخالفين لهذه الأمة في أصل الملة ليسوا سواء: فمنهم المسالمون ومنهم المعتدون، ومنهم الجهلاء ومنهم المعاندون، ولكل فريق حكمه، وما يناسبه من ألوان التعامل، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، ولم تأت شريعة الله عز وجل بالتسوية بين المختلفين ولا بالتفريق بين المتماثلين، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وقد تفاوت هديه صلى الله عليه وسلم في معاملة أهل الملل الأخرى من القتال إلى الموادعة المطلقة أو المؤقتة حسب ما يستحقه كل فريق وحسبما تقتضيه المصلحة العامة لجماعة المسلمين، وهكذا ينبغي أن يكون مسلك من يرثونه ويقومون في الناس مقامه من بعده بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، وفي سورة الممتحنة تأصيل لهذا الحكم الكلي حيث فرقت بين المسالمين والمعتدين، وجعلت ذلك قرآنا يتلى على مدى الزمان وعلى مدى المكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وينطفئ سراج الحياة! ولهذا فإن من الخطأ البين هذا التعميم الذي نلمسه من بعض المشتغلين بالعمل الإسلامي في بعض المواضع عندما يصنف أمة بأكملها أو قارة بأكملها في موقف المحارب بإطلاق أو المسالم بإطلاق، فلم يزل في كل أمة المسالمون والمعتدون والجهلاء والمعاندون، فالتسوية بين القادة والمقودين والتسوية بين الرؤساء والمرؤوسين، وإطلاق القول بأن الجميع محارب والجميع في مقام التهييج على هذه الأمة من الإطلاقات الفاحشة التي تحتاج إلى مراجعة، وقد رأينا مظاهرات حاشدة في مجتمعات كثيرة تعلن رفضها لسياسات قادة بلادها وتأييدها لحق الشعوب المعتدى عليها في الانتصار والمقاومة، ومن هؤلاء من حوكم، وتعرض لعقوبات جائرة بسبب هذه المواقف، والذي يقتضيه العدل وتقتضيه المصلحة العامة للإسلام والمسلمين تثمين مواقف هؤلاء، والتمييز بينهم وبين المعتدين من بني