فانظر كيف أن أم سليم أرخصت نفسها في سبيل دينها ومبدئها وكيف أنها استعملت الحكمة للوصول إلى هدفها، فهي من جهة بينت له ضلال ما هو عليه من عبادة الأشجار والأوثان وذلكما تستقبحه الطبائع السليمة ومن جهة ثانية مدحته بما فيه من الخصال الطيبة وأثنت عليه بقولها (مثلك لا يرد) أي أن فيك من صفات الرجولة والحسب والجاه ما يدعو للزواج منك لولا هذه الخصلة من الكفر، ثم لم تقف عند هذا الحد بل رغبته في الزواج منها بأن أسقطت مهرها مقابل إسلامه، فكانت بذلك أول امرأة جعلت مهرها إسلام زوجها فصارت سببًا في دخول أبي طلحة في الإسلام فحازت بذلك على الفضيلة التي وعد بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحد خيرٌ لك من أن يكون لك حُمر النعم» [1] .
الموقف الثاني: أم سليم الأنصارية مع ابنها أنس بن مالك في تربيته:
حينما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة كانت الأنصار ومن كان فيها من المهاجرين مشغولين باستقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحين مستبشرين بمقدمة - صلى الله عليه وسلم - فجاء الجميع وهاجسُ كل واحدٍ منهم أن يتشرف برؤيته - صلى الله عليه وسلم - وتنافس الجميع في أن ينزل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده ليتشرف بجواره، فصار ذلك نصيب أبي أيوب الأنصاري، فأقبلت الأفواج على بيته لزيارته - صلى الله عليه وسلم - ، فخرجت أم سليم الأنصارية من بين هذه الجموع، ومعها ابنها أنس رضي الله عنهما، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس يخدمك، قال أنس رضي الله عنه: «خدمت النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أف ولا لم صنعت ولا ألا صنعت» [2] .
(1) رواه البخاري في صحيحه المغازي باب غزوة خيبر (7/ 476 برقم/ 4210) .
(2) رواه البخاري في صحيحه في الأدب باب حسن الخلق والسخاء (10/ 471 برقم 6037) .