ثم أرادت أم سليم أن تقدم لابنها أفضل جائزة تقدمها والدة لولدها، وذلك حين جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت أم سليم فلما انتهى حاجته وهم بالرجوع قالت له أم سليم رضي الله عنها: «يا رسول الله إن لي خويصة» (تصغير خاصة) قال: «ما هي ؟» قالت: خادمك رضي الله عنه (قال أنس) فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي «اللهم ارزقه مالًا وولدا وبارك له» (يقول أنس) فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لي لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة [1] .
وفي رواية الجعد عند مسلم قال أنس: «فدعا لي بثلاث دعوات قد رأيت منها اثنين في الدنيا ، وأنا أرجو الثالثة [2] في الآخرة» [3] .
فهذا القدر من أولاده هو الذي مات في حياته قبل ذلك التاريخ، وأما الذين كانوا على قيد الحياة في ذلك الوقت فهم كما قال أنس: «وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو مائة» [4] .
أرأيتم كيف أن أم سليم رضي الله عنها أعتنت بابنها اليتيم وأحاطته بكل عناية، وحرصت عليه كل الحرص على أن يحصل على خير الدنيا والآخرة ؟ فما أعظمها من أم وأحسنها من مربية رضي الله عنها وأرضاها.
(1) رواه البخاري في صحيحه مع الفتح (4/ 228 ح 1982) وقال ابن حجر ( أي أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قدمها الحجاج) .
(2) قال ابن حجر: ولم يبين الثالثة وهي المغفرة كما بينها سنان بن ربيعة كما رواه ابن سعد.
(3) رواه مسلم في المساجد باب جوازا الجماعة في النافلة (1/ 458 ح66) .
(4) رواه مسلم في الموضع السابق.