الصفحة 4 من 32

... لقد لقي النص القرآني منذ بداية التنزيل عناية فائقة من أجل حفظه وفهمه وتطبيقه حيث كان الرسول عليه الصلاة والسلام يكشف ما استغلق من الآيات ويفصّل ما أُجمل من المعاني، لذلك ظلّ التفسير في مراحله الأولى لصيقًا بالحديث النبوي طوال القرن الهجري الأول حتّى منتصف القرن الثاني، ومع عصر التدوين تواصل التداخل بين التفسير والحديث، فظهرت في مدونات الحديث النبوي أبواب خاصة بالتفسير دون إحاطة كاملة بالنص القرآني، ثمّ تمّ جمع المتفرّق من تلك الموضوعات لتصاغ في تفاسير شاملة ومستقلة.

... إذن ظهور تفسير للنص القرآني علمًا مستقلا لم يكن حدثا مفاجئًا؛بل ظهر اعتماد الرأي في التفسير مبكرا جدّا؛ فقد مارس الصحابة - بصفة محدودة - منذ عصر النبوة الاجتهاد في التعامل مع النص عندما لم يتمكنوا من اللقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم كما وجد من التابعين من كان يفسّر القرآن برأيه. [1]

... وبرغم هذه الاستقلالية المبكرة للتفسير كان فهم النص القرآني يستند أساسا إلى مرجعية الأثر النبوي، ثم انتقل التفسير إلى أفق يضمّ مرجعية التجربة الإنسانية الجديدة التي رسمت معالمها تحوّلات سياسية واجتماعية وفكريّة ناتجة عن الفتوحات الإسلامية وحركة الترجمة والاختلاط بشعوب البلاد المفتوحة،وهكذا ظهرت تفاسير لكامل آيات القرآن الكريم مجيبة عن أسئلة ومشاغل ما كانت لتثار بأيّ حال قبل مرحلة تلك التحولات الفكرية والثقافية.

... إن النص القرآني القائم على اشتمال ما هو غيبي وما هو عقلي وتفاعلهما، وليس تناقضهما أو تنافيهما هو الذي ساعد على توسيع دائرة تفسير القرآن بالرأي ثم ما لبثت هذه الدائرة تنداح على مر الأزمان رويدًا رويدًا حتى التقت بالمعرفة العلمية التي تفجرت منها النهضة العلمية العالمية في عصرنا الحاضر.

(1) أحميدة النيفر، مفكر تونسي , التفسير العلمي وتَعَطّل المنظومة الثقافية الإسلامية شبكة إسلام أون لاين، الشبكة الدولية للمعلومات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت