فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 101""""""
شبعه مرة واحدة من خبز شعير وتمر وقال له: ( تَمَ لتَسألنَ يَومَئذٍ عَن النَعيم ) .
فصل في علو الهمم ونيلها لمقاصدها
أعلم أن الهمة هي إجماع قلب المهتم وجمعه لنيل مقصد بالتوجه إليه دون غيره من غير قلب قاصد لسواه وصاحب الهمة لا يكون همه في مقصده لنيل أغراض متفرقة كمن أراد أعمالًا لا يقع في يده غير عمل واحد الهمم هي فروع من فروع النفس على قدر وضع النفس وارتفاعها إن همة كل أحد على قدر نفسه في علوها وطهارتها . ألا ترى إلى أصحاب الصنائع ، الخسيسة كالكناف والزبال والإسكاف والدباغ والغسال فهؤلاء هممهم على قدر خسائس أنفسهم النازلة لسابق ما قدر لهم عند اعتصار خمير السعادة من عجين الطالع في خمير الولادة وهذا حال يتعلل به العاجز . إذ الملك معشوقك فلا تألف الخسائس . فليس هذا أنسابًا معروفة بأب وأم . وإنما هي بعلو الهمة كما كانت من أول الفيض الصادر عن النفس الكلية همم العلماء والملوك ثم كلما تباعد الفيض عن النفس الكلية رذلت الهمم كما رذل الحيوان بعد فيض الإنسان . ألا ترى إلى همة الفيل والحمار في المأكل والمشرب فهذا همة بريح وهذا تبن وشعير وأنظر إلى همة ذي القرنين وهو ابن هيلانة وأبوه نساج كيف تعرض بعلو الهمة إلى الملك ولم ينزل إلى الصنائع . فمثله في العالم كثير . ومن جملة علو همته إظهار اليغزن الذي أشاع بذكره المسافرون وأتخذ المتقدمون ألحان الموسيقا التي زعموا إنها معتصرة من دورات ألحان الأفلاك حين تدور ويسمع له نغمات بطرائق وأوزان غير خارجة نقلوها عن موسى وإدريس . وطائفة أخرى زعمت إن العود متخذ من شكل طائر معلق في جبل في أنفه أنقاب مخارج بعدد مخارج العود وهذا من جملة فروع الهمم . فنيل المقاصد من غير همة غم عمن تعلق بها فاكتساب الهمم ونيل مقاصدها للعلماء بالدرس والمواظبة والجوع والصبر ونبل مقصد المملكة هو بالاشتغال فيما يجذبها من التهاب . وما يشاكلها . فان قلت هذه سعادات أزلية فمن قدر له في السابق شيء أخذه وبلغه ولا يمحى ما سطر على جبين العبد فقد صدقت ولكن مت تحت غبار طلب العزلا على مزايل الشهوات بالذل كما مر بك الإنشاد السابق شعر: أطلب العز في لظى وذر الذل . . . و لو كان في جنان الخلود وقد سعت كلاما لمعاوية إذ قال هموا بمعالي الأمور لتنالوها فإني لم اكن للخلافة أهلًا فهممت بها فنلتها . وقد ذكرت حكاية في كتاب ' سر خزانة الهدى