ولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذنه وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه بشفاعته، ولا سيما إن كانت من غير إذنه، فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: { قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } [1] . وقال: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [2] .
فمن طلبها من غير الله، فقد زعم أنها مشروعة بغير إذن الله ورضاه عن المشفوع له. والله يقول: { مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ } [3] . وقال تعالى: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلهُمْ يَتَّقُونَ } [4] .
والعبرة في النصوص بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظته وعدم الاقتصار عليه.
فصل
وأما دعاء الله عز وجل للغير، فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه.
ودعوة المسلمين بعضهم لبعض مستحبة، قد وردت بها الآثار الصحيحة في مسلم وغيره، فإن كانت للميت فهي آكد. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقف على القبر بعد الدفن فيقول: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» .
(1) سورة الزمر آية 44.
(2) سورة الأنعام آية 94.
(3) سورة السجدة آية 4.
(4) سورة الأنعام آية 51.