الصفحة 17 من 39

فالميت أحوج بعد الدفن إلى الدعاء، فإذا قام المسلمون على جنازته دعوا الله له، وشفعوا له بالصلاة عليه دون أن يدعوه. فبدل أهل الشرك والبدع الدعاء له بدعائه، والاستغاثة به والهتف باسمه عند حلول الشدة، وتركوا من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.

كما بدلوا الزيارة التي شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحسانًا إلى الميت، وتذكيرًا بالآخرة، بسؤال الميت نفسه وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب وخشوعه عندها أعظم منه في الصلاة والمساجد، وإذا كان الدعاء مشروعًا لسائر المؤمنين، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أحق الناس بأن يصلى ويسلم عليه ويدعى له بالوسيلة.

كما في الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة» .

واستشفاع العبد في الدنيا إنما هو فعل للسبب لحصول شفاعته له يوم القيامة طبق ما جاء به قولًا واعتقادًا.

وإنما سئلت له الوسيلة مع تحققها تنويهًا بقدره، ورفعًا لذكره، ويعود ثواب ذلك إلينا. فهذا هو الدعاء المأثور وهو فارق بني الدعاء الذي أَحَبَّهُ والذي نَهَى عنه.

ولم يذكر أحد من ألأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة السلف فيما نعلمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل بعد الموت الاستغفار ولا غيره.

قال الإمام مالك يرحمه الله فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط عنه، والقاضي عياض في الشفاء والمشارق، وغيرهما من أصحاب مالك عنه: لا أرى أن يقف عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو، ولكن يسلم ويمضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت