فهرس الكتاب
وهؤلاء يحب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وإن زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك، فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بمعتقده؛ فلا جامع بين ما استدلوا به علينا وبين ما نهيناهم عنه.
(الثاني) أن الحديث دليل لنا أنه لا يدعى غير الله عز وجل، فإن قوله: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - نبي الرحمة» سؤال لله عز وجل لا للمخلوق، وتوجه إليه بدعاء نبيه بدليل ما يأتي بعد. وقوله: «يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي، اللهم شفعه فيَّ» معناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي معناها في هذه الدار الدعاء، ولهذا قال في تمام الحديث: «اللهم شفعه فيَّ» أي استجب دعاءه وهذا متفق على جوازه، إذ الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه.
أما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه. قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلهُ للهِ } [1] .
إنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله عز وجل، وهو - صلى الله عليه وسلم - انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولهذا استسقى أصحابه بعمه العباس بن عبد المطلب، وطلبوا منه أن يدعو لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ، ولم يأتوا إلى قبره ولا قفوا عنده مع أن حياته - صلى الله عليه وسلم - في قبره برزخية.
(1) سورة آل عمران آية 154.