فهرس الكتاب
(الرابع) أن الوسيلة ليست هي أن ينادي العبد غير الله، ويطلب حاجته التي لا يقدر على وجودها إلا الرب تبارك وتعالى ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه.
فصل
ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه ابن مسعود «إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا» .
وفي رواية «إذا أعيت فليناد يا عباد الله أعينوا» وهذا من جملة الجهل والضلال، وإخراج المعاني عن مقاصدها من وجوه:
(الأول) أن هذه ليست بوسيلة أصلًا، إذ معنى الوسيلة ما يتقرب به من الأعمال إلى الله عز وجل وهذا ليس بقربة.
(الثاني) أن الحديثين غير صحيحين.
أما الأول فرواه الطبراني في الكبير بسند منقطع عن عقبة - رضي الله عنه - ، وحديث انفلات الدابة عزاه النووي رحمه الله لابن السني وفي إسناده معروف بن حسان، قال ابن عدي: هو منكر الحديث، ولا دليل في هذين الحديثين مع ضعفهما ولا في الحديث المتقدم قبلهما على دعاء أصحاب القبور كعبد القادر الجيلاني من قطر شاسع، بل ولا ينادى غيره لا الأنبياء، ولا الأولياء، إنما غايته أن الله عز وجل جعل من عباده من لا يعلمهم إلا هو سبحانه «وما يعلم جنود ربك إلا هو» وإذا نادى شخصًا باسمه معينًا فقد كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونادى من لا يؤمر بندائه، وليس معنى الحديث في كل حركة وسكون وقيام وقعود، وإنما أبيح له ذلك إن أراد عونًا على حمل متاعه أو انفلتت دابته، هذا مع تقدير صحة الحديث.
(الثالث) أن الله تعالى قال: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا } [1] .
فبعد أن أكمله بفضله ورحمته، لا يحل أن نخترع فيه ما ليس منه ونقيس ما لا قياس عليه.
(1) سورة المائدة آية 3.