الصفحة 5 من 8

وهذه حقيقة أقرّها الإمام الرازي من قبل، حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: { فإنْ خفتُم ألا تَعْدلوا فَواحِدَة } [1] :"أُثبت في أصول الفقه، أنّ المتقدّمين إذا ذكروا وجهًا في تفسير الآية، فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها. ولولا ذلك لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في التفسير مردودة باطلة، وذلك لا يقوله إلا مقلِّدٌ خَلِف" [2] .

وممن دان بهذا الرأي، ودعا إلى تجديد التفسير القرآني، وإعادة النظر في مقاصده البعيدة السامية، الشيخ محمد عبده، الذي يقول:"قد يدّعي بعض أهل العصر، أنه لا حاجة إلى التفسير والنظر في القرآن، لأن الأئمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة واستنبطوا الأحكام منها، فما علينا إلا أن ننظر في كتبهم ونستغني بها، وهكذا زعم بعضهم. ولو صحّ هذا الزعم لكان طلب التفسير عبثًا يضيع به الوقت سُدى ... خاطب الله بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجّه الخطاب لهم لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني الذي أُنزل القرآن لهدايته. يقول تعالى: { يا أيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم } [3] فهل يُعقل أن يرضى منا بأن لا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظرٍ فيه، ولم يأتنا وحيٌ من الله بوجوب اتّباعه لا جملة ولا تفصيلًا؟ كلا، إنه يجب على كلّ واحد من الناس أن يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته" [4] .

(1) سورة النساء: الآية 3.

(2) الرازي، محمد بن عمر بن الحسين: مفاتيح الغيب، (القاهرة: دار الغد العربي، ط1، 1412هـ/1992م) ، ج5، ص76.

(3) سورة الحج: الآية 1.

(4) عبده، محمد: تفسير المنار، (بيروت: دار المعرفة) ، ج1، ص38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت