الصفحة 6 من 8

ولكن على من يدّعي التجديد، أنْ يُدرك المنهج الأمثل في تفسير القرآن، والذي يقوم على أصولٍ راسخة، وقواعد شامخة، تتمثّل في خطوات معلومة، ومعالم مرسومة، وضوابط بيّنة يجب مراعاتها والالتزام بها، حتى تتضح للمفسّر الغاية، وتستقيم له الطريق. فلا بدّ للمفسّر أن يجمع بين الرواية والدراية، فيفسّر القرآن بالقرآن، وبصحيح السنَّة، وينظر في أقوال الصحابة والتابعين، ولا ينسى مراعاة السياق وأسباب النزول، وعليه قبل كلّ ذلك أن يكون عالمًا باللغة التي نزل بها القرآن.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن فكر السلف في التفسير لم يكن بمنأى عن الصراعات الفكرية التي كانت تدور في عصر كلّ مفسّر. وكثيرًا ما كان هذا المفسِّر أو ذاك يمثِّل اتجاهًا معينًا، فهو بالتالي كان ناصرًا ومؤيدًا لفكرته واتجاهه، ونرى أن ذلك انعكس بشكلٍ واضح وملموس على تفسيره، حتى دخلت إلى التفسير بعض التأويلات الفاسدة الباطلة التي ما جاءت إلا لتساند فكرة ما. حتى قال بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى: { تَبَّتْ يَدا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ } [1] هما أبو بكر وعمر. كما اعتمد الجبرية على مثل قوله تعالى: { واللهُ خَلَقكُم وما تَعْمَلون } [2] في اعتبار الإنسان مسيَّرًا لا إرادة له ولا اختيار، وأنه كريشة في مهبِّ الريح تحرّكها الأقدار كيف تشاء. وحتى الزمخشري صاحب الفكر المعتزلي، لم يخلُ تفسيره من بعض الشطحات الاعتزالية. وهناك تفسيرات أخرى غريبة للقاديانية والبهائية وغيرهما.

لذلك فإنه لا بدّ لنا من أن نعي هذه الحقيقة المهمة، حتى نُدرك مَراميَ كلّ مفسِّرٍ عندما نتعامل مع تفسيره، فلا نتعامل مع مفسِّر دون أن نحيط ولو لمامًا بطبيعة الصراعات الفكرية التي عايشها، حتى نجعل من عقولنا ميزانًا نقوِّم به ما يصدر عنه.

(1) سورة المسد: الآية 1.

(2) سورة الصافات: الآية 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت