أيها الأخ الكريم: إن قلبك أمره عظيم، وشأنه جليل، فإن الله تعالى قد أنزل الكتب لإصلاحه، وبعث الرسل لتزكيته وتطييبه وتطهيره، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } (يونس: 57) وقال سبحانه وتعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والحِكْمَةَ } (آل عمران: 164) فأعظم ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه إصلاح القلوب، ولذلك فإنه لا سبيل إلى تزكية القلوب وإصلاحها إلا من طريقه - صلى الله عليه وسلم - .
ومما يؤكد ضرورة العناية بالقلب أنه تلك المضغة اللطيفة التي اصطفاها الله عزَّ وجلَّ بحكمته وعلمه فجعلها محلًا لنوره، ومقرًا لهداه، وقد ضرب الله سبحانه وتعالى لذلك مثلًا في كتابه فقال سبحانه: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (النور: 35) .
فالقلب محل المعارف، به يعرف العبد ربَّه ومولاه، وبه يعرف أسماء الله جلَّ وعلا وصفاته، وبه يتدبر آيات الله الشرعية كما قال الله سبحانه وتعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } (محمد: 24) أي: بل على قلوب أقفال تمنع من التدبر والتفكر، وبه يتدبر آيات الله الكونية الخلقية في الآفاق وفي الأنفس، قال الله تعالى: