ومما يؤكد ضرورة العناية بالقلب إصلاحًا وتزكية وتخلية من الآفات وتحلية بالفضائل: أن الله تعالى جعل محلَّ نظره من عباده قلوبهم، فعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأشار بأصبعه إلى صدره ) ) [1] .
فالأصل في الإيمان والكفر، والأصل في الهدى والضلال، والأصل في الصلاح والغيّ، إنما هو ما يقوم بقلب العبد، ولذلك ذهب عامة علماء الأمة إلى أن من
أكره على قول الكفر فإنه لا يُؤاخذ بذلك ما دام منشرح الصدر بالإسلام، مطمئن القلب بالإيمان، كما قال الله جلَّ ذكره: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } (النحل106-107) .
فإن هذه الآية قد نزلت-على قول أكثر المفسرين- في عمار بن ياسر رضي الله عنه، فإنه لما أسلم عذَّبه المشركون ونالوا منه نيلًا عظيمًا، حتى أعطاهم بعض ما أرادوا من الكفر بالله والنيل من النبي - صلى الله عليه وسلم - . فشكا عمار رضي الله عنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان منه، وهو يبكي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( كيف تجد قلبك؟ ) )فقال عمار: مطمئنًا بالإيمان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مبشرًا ميسرًا: (( فإن عادوا فعد ) ) [2] فالحمد لله الحميد المجيد.
(1) رواه مسلم (2564) .
(2) رواه الحاكم (2/357) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي .