لا يقتصر الأمر في ما تتركه الفضائيّات من سلبيّات تعمل على تغيير البناء الاجتماعيّ فحسب؛ وانَّما هي تسهم وبشكلٍ جديّ في تغيير ما هو أهم في حياة الفرد في المجتمعات العربيّة، وهو تغيير الإرث القيميّ وإدخال الأفكار والقيم المستوردة عليه، التي قد لا تتوافق وتتلاءم مع التُّراث العربيّ والدِّين الإسلاميّ.
لقد بات من الممكن اليوم لجميع سكان الأرض ـ القادرين على دفع الثَّمن ـ الارتباط بالصُّحون الفضائيّة وبالقنوات التِّلفازيّة ذاتها الموجودة في كلّ أنحاء العالم، التي تكون موجَّهة لجمهور عالميّ (معولم) وليس للجمهور المحليّ. كما أنَّ هناك فرقًا بين أنْ يكون لكلّ مجتمع قناته التِّلفازيّة الوطنيّة الخاصّة به، وبين أنْ تشترك جميع المجتمعات بشبكة واحدة متعدّدة الأطراف من البثّ التِّلفزيونيّ العابر لكل الحواجز والفواصل! فالقناة الوطنيّة ممكن أنْ تكون موجَّهة لخدمة البلد نفسه، ومحاطة بالرَّقابة التي تحول دون المساس بتقاليد البلد وتراثه، ودون الإخلال بقيم وثقافة النَّشء فيها [1] .
إنَّ المناخ الثَّقافيّ السَّائد في المجتمع العربيّ يُعَدُّ من الظُّروف المهيئة للتَّأثُّر بالبرامج الوافدة من الفضاء، فبات المجتمع العربيّ مهيأ أكثر من أي وقت مضى لاستقبال هذه البرامج والتَّأثُّر والانخراط مع ما تجلبه هذه البرامج، سواء كان مفيدًا أم ضارًّا.
ويمكن أنْ يكون لوجود بعض العوامل أثر في جعل المجتمع العربيّ غير محصن، ومخلخل البنية، فلا يقوى على اختيار صلاحيّة ما يمكن أنْ يفيده، وأخذ الحيطة من غيره. ومن هذه العوامل ضعف الوعي بما يأتينا من البثّ الفضائيّ، وبكيفيّة التَّعامل معه من خلال أخذ الفوائد منه دون الإضرار، إضافة إلى الأزمات التي تعرَّض لها مجتمعنا العربيّ من الحروب، والنَّكبات، والاستهداف الواضح من قِبَل الغرب وعسكرة المجتمع. حيث إنَّ كلّ هذه ـ مع عوامل
(1) محمود شمال: مرجع سبق ذكره، ص 57.