وأما المكانية، فهي ما أحدثه الهمَج الرعاع من الاجتماعات عند القبور، واعتياد المجيء إليها، إما مطلقًا وإما في أوقات مخصوصة، ولا سيما ما يفعل عند القبر المنسوب إلى البدوي بمصر، وعند القبر المنسوب إلى الحسين بكربلاء، وعند قبر الشيخ عبدالقادر الجيلاني ببغداد، وكل واحد من هذه القبور الثلاثة قد جعله أشباه الأنعام عيدًا، والمقصود مِن ذِكْرها هنا: التحذير من مشابهة المشركين في أعيادهم الزمانية والمكانية، ومنها: الاجتماع عند القبور واتِّخاذها أعيادًا، وقصدها بالسفر، وشد الرَّحل، ومن هذا الباب: ما يفعله بعض الناس من السفر إلى زيارة قبْر النبي - صلى الله عليه وسلم - واتخاذه عيدًا يعتادون المَجِيء إليه، والاجتماع عنده في كثير من الأوقات، ولا سيما في أيَّام الحج، حتَّى إن كثيرًا من الجهَّال يَرَوْن أنه لا يتم لأحدهم الحج إلا بزيارة القبر الشريف، قبل الحج أو بعده، ويتعلَّقون في ذلك بأحاديث واهية، لا يقوم بشيء منها حجة، ويعدلون عن النصوص الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن اتِّخاذ قبره عيدًا؛ كما في"سنن أبي داود"، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ) )؛ صحَّحه النووي، وفي الصَّحيحَيْن وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرم، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ) )، ثم ذكر المؤلِّف روايات أخرى متعدِّدة في هذا المعنى، إلى أن قال: فتحصّل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ: النفي، والنهي، والحصر، وكل واحدة من هذه الصيغ الثلاث تُفيد أنَّه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء من القبور، ولا المساجد، والأماكن المعظَّمة، سوى المساجد الثلاثة، وباجتماع هذه الصيغ الثلاث، يزداد المنْع شدَّة، قلت: ويدلُّ الحديث