وابن خذام هذا لا شك أنه أقدم من امرئ القيس ولم نعرف عن شعره شيئا غير أن امرأ القيس حاكاه في بكاء الديار .
وعنترة يقول:
هَلْ غَاَدَر الشُّعراءُ مِنْ مُتردَّمِ ... أمْ هَلْ عَرفَت الدَّارَ بَعْد تَوهُّم [1]
فالشعراء لم يتركوا لعنترة شيئًا يتولى إصلاحه ، وفي هذا اعتراف من عنترة بأجيال سبقته من الشعراء لم يتركوا له ما يُصْلِح من الشعر .
وزهير يقول:
ما أرانا نقول إلا معارًا ... أو معادًا من قولنا مكرورًا [2]
فالشاعر يعترف كذلك بأنه يستعير أقوال غيره ويرددها. كل ذلك يشير إلى حقبة من الزمن قيل فيها الشعر قبل تلك الفترة التي وصلت إلينا أخبارها من الشعر الجاهلي.
وقد حددت تلك الفترة بنحو قرن ونصف قبل انبلاج فجر الإسلام، وقد أشار الدارسون إلى ضياع الكثير منه ، فكم زخرت بوادي الجزيرة العربية ومدنها بالمئات من الشعراء والشواعر وطوى الزمن عنا أكثر شعرهم ، ولم يصل إلا بعض أشعار المجيدين ومن كانت لهم الصدارة والقدح المعلى في الشعر.
لقد صور الشعر الجاهلي حياة العرب كلها أدق تصوير ، فكان المرآة التي انعكست عليها أخلاقهم ، كما صور أحوال مجتمعاتهم وبيئاتهم ومعاركهم ، وتبلورت أغراضه في محاور عدة من وصف ونسيب وفخر ومدح ورثاء وهجاء واعتزاز واستعطاف وحكم وغير ذلك ، وانساب ذلك في قصائد قصيرة وطويلة عرفت بالمعلقات.
وتضمن ما تضمن من حياة قامت على الطيش والاندفاع والنهب والغارة.
لا يَسْألونَ أخَاهم حيَنَ يَنْدُبُهم ... في النَّائبات عَلَى ما قَال بُرهَانا [3]
(1) أبو عبد الله الحسن بن أحمد ، المعلقات (بيروت 1975) ، ص115.
(2) ابن رشيق ، ص258.
(3) عبد القادر البغدادي، خزان الأدب (القاهرة: المكتبة السلفية 1299هـ) ، ص: 165.