الصفحة 3 من 24

وقد استبد القوي بالضعيف ، وتمزقت أواصر الإنسانية بينهم ، فرحى المعارك دائرة تطحن الناس طحنًا وغبار الغارات يملأ سماوات الجزيرة العربية وجنون العصبية يخبط في أرجائها خبط عشواء وحمية المجيرين تستل السيوف لتحمي من استجار، والعدوان المجنون يعدو هنا وهناك يأكل أحلام الرجال والنساء ويقضى على الحرث والنسل ، والخيول حول الخيام رابضة للدفاع عن الحرم ؛ حياة قلقة مضطربة مفزعة ، القوى يأكل فيها الضعيف فلا ثقافة تنشر ولا حضارة تبنى ولا كيان يشمخ ولا قيمة إنسانية تسمو ولا دولة تبنى ولا رسالة تؤدى.

وهناك شباب انطلق وراء شهواته يعاقر الراح ويقامر ويطرح الخدور على ربات الخدور ويتبع الفتيات على الغدران والينابيع ويقف على الأطلال يبكي ويستبكي.

ينساب كل ذلك في شعرهم عاطفة جياشة وأسلوبًا مؤثرًا وكلمة بالغة تتناقلها الركبان تضمخ بها سماء الجزيرة العربية وتنداح بين قبائلها وعشائرها في يسر وسهولة.

وفي خضم هذه الحياة المادية كانت تشرئب أعناق المستغلين لفقر العرب وتمتد أيديهم بالمال لا على سبيل المعونة أو القرض ، ولكن على سبيل الربا الفاحش الذي لا يقبل إلا تحت إلحاح الجوع والحاجة ، وكم خارج من القبائل محتج على هذا السلوك سمى خليعًا، وكم قاطع ليسد رمق الجوع جُعل صعلوكًا ، وشكلت هذه وتلك مظهرًا بارزًا من مظاهر الشعر الجاهلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت