الصفحة 4 من 24

وحتى الخصال المحمودة فإن الإفراط فيها قد أساء إليها كالشجاعة التي انقلب الغلو فيها إلى تهور وقسوة وفتك ، وكالكرم الذي تحول إلى إسراف أملًا في الشكر والذكر، وكالمروءة التي تحولت إلى نصر الظالم ضد المظلوم تلبية لرغبة القبيلة والحمية العصبية. وهكذا أدخلت الحياة الجاهلية المادية العرب في نفق مظلم ؛ واعتقاد فاسد، وفقر وجهل واستغلال ، واستبداد ، وفحشاء ، وهتك عرض، وعدم أمان ، وفقدان سلام. وعلى العموم حياة ضيقة الآفاق والطموح ؛ سجن في قيم اجتماعية لا تقدم بل تؤخر ،تنخر فيها الفوضى وتمزق كيانها الحرب تؤدي بالعرب إلى هاوية لا قرار لها .

الخروج من ضيق الحياة الجاهلية إلى رحاب الإسلام:

وجاء الإسلام وهذه حالة العرب الاجتماعية التي عبر عنها شعرهم ، فدعا إلى الألفة ونادى بالاعتصام بحبل الله: [1] .

في هذا الإطار كان تنظيم الإخاء بين المهاجرين والأنصار بالمدينة أول ترابط عملي نظمه الإسلام ، لبث روح الأخوة والتعاون بين المجتمع الجديد ، ودعا إلى ترك الغلظة في الأمور والأخذ باللين ليشرع سلوكًا حضاريًا لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل بل لم يعرفه العالم كله إلا بعد مجئ الإسلام: [2] . [3] . ولم يكن قصرًا على المسلمين ، بل حتى أهل الكتاب يشملهم: [4] . ونادوا بالقصاص: [5] ، [6] .

وأنكر التجبر الذي عرف عن الشامخين من العرب الذين كانوا يقولون:

إذا بلَغَ الفطامَ لنَا رَضيعٌ ... تخرُّ له الجبابُرة ساجدينا [7]

ج

فقال: [8] .

ورأى العرب يطففون الكيل فيخسرون على الناس إذا كالوهم أو وزنوهم وسمع المثل (أحشفا وسوء كِيلَه) فنادى: [9] .

(1) سورة آل عمران الآية 103

(2) سورة آل عمران الآية 159

(3) سورة فصلت الآية 34

(4) سورة العنكبوت الآية 46

(5) سورة البقرة الآية 178

(6) سورة البقرة الآية 179

(7) المعلقات ، ص95.

(8) سورة الفرقان الآية 63

(9) سورة المطففين الآية 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت