الصفحة 22 من 54

إذ حصل في هذا السياق تحول عن الفعل الماضي خرّ إلى المضارع"فتخطفه"أو"تهوي"، ولم يأتِ السياق على نمط واحد فيكون"خرّ من السماء فخطفته الطير أو هوت به الريح"، وذلك أن الفعل الماضي يشير في هذا السياق إلى تحقق حصول الخرور من المشرك لا محالة حاله حال الماضي في تحققه، فقال:"خرّ من السماء"، وفيه دلالة على سرعة حصول الخرور والسقوط دون تماسك أو انتظام، كما يوحي به جرس اللفظة"خرّ"وقصرها وخفتها، وتكرار صوت الراء فيها إشارة إلى تكرار السقوط والهوي والتقلب في الهواء، وما أضفاه التفخيم في الخاء والراء من تفخيم لمشهد الهوي نفسه"فالملحوظ هو سرعة الحركة مع عنفها وتعاقب خطواتها في اللفظ بـ"الفاء"وفي المنظر بسرعة الاختفاء" [1] .

"ثم تحول إلى المضارع"فتخطفه"و"تهوي"لاستحضار صورة خطف الطير إياه وهوي الريح به" [2] .

فكان التحول إلى المضارع لاستحضار المشهد وإطالته، وأمعن في إطالة مشهد الهوي أيضًا مجيء الحرف"في"الذي أفاد هنا الإمعان في تصوير التسفل والسقوط، وكأن المكان السحيق قد أصبح ظرفًا ووعاءً له لا ينتهي فيه إلى قرار. ولو قال:"إلى مكان سحيق"لأفاد انتهاء الهوي به إلى منطقة معينة، وذلك يوحي بالتهديد الشديد والإيعاد لمن كان هذا حاله.

ولو جرى السياق على النمط نفسه من المضي لمضى السياق كله على عجالة دون أن يتمكن المتلقي من إمعان النظر والفكر في مشهد الخطف والهوي.

ومثله قوله تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا } [الحديد، 20] .

(1) في ظلال القرآن، 4/2421.

(2) المثل السائر، 2/197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت