الصفحة 23 من 54

لقد تحول السياق عن الماضي"أعجب"إلى المضارع"يهيج"و"يكون"، ولو جرى السياق على نمط واحد لجاء:"كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم هاج ثم كان حطامًا"، لكن التحول عن الماضي إلى المضارع في هذا الموضع جاء لمنحى دلالي مقصود، فالسياق القرآني تجاوز لحظة الإعجاب بهذا الزرع، بالإخبار عنها بالزمن الماضي، وكأنها لحظة مضت دون تريث أو إمهال، تلاها على الفور مشهد الفناء والزوال، مخبرًا عنه بالزمن الحاضر، حتى يظل مشهد الاندثار كأنه حاضر ماثل للعيان، ولا ينافي ذلك مجيء حرف العطف"ثم"، فهو هنا يفيد التراخي الرتبي لا الزمني [1] .

إذ يوحي المشهد بالتدرج من لحظة السرور والفرح بهذا النبات، إلى مرحلة شديدة على النفس متمثلة في هيجان الزرع وذبوله، تليها مرحلة أشد من سابقتها وهي مرحلة الاصفرار والاحتضار [2] .

ويرد هذا التحول للتركيز على نتيجة الحدث نفسها، من ذلك قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ }

[الحج،63] . وقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [الحج، 65] ، ففي الآيتين السابقتين نجد أنه قد تحول عن الماضي"أنزل"و"سخّر"إلى المضارع"يمسك""فتصبح"واختيرت صيغة الماضي في"سخّر لكم ما في الأرض"و"أنزل من السماء"، وذلك لأن"الرؤية الباعثة على التأمل والاعتبار لا تتعلق بتلك الأحداث بذاتها بل بنتائجها أو آثارها المترتبة عليها" [3] .

(1) انظر: رأي الزمخشري في (ثم) التي تفيد التراخي الرتبي في الكشاف، 4/154.

(2) انظر: التحرير والتنوير، 27/405.

(3) أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية، 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت