فهرس الكتاب
فمحل التأمل في الآية الأولى ليس فعل التسخير نفسه وإنما مظاهر هذا الفعل وآثاره، ومن أهمها إمساك السماء بغير عمد.
بينما جاء التحول إلى المضارع (فتصبح) في الآية الثانية"لِتُثَبِّتَ المشهد عند نقطة مهمة، ينبغي للمتلقي أن يقف عندها ويستحضرها دائمًا أمام عينيه" [1] . وفيه دلالة على"بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض" [2] .
ومنظر الخضرة في الأرض يشيع البهجة في النفس ويطمئن النفوس على أرزاقها، لذا جاء التعقيب بقوله تعالى: { إن الله لطيف خبير } ، فهو لطيف بعباده، خبير بما يصلح أحوالهم.
الصورة الثانية: التحول عن الفعل المضارع إلى الماضي:
ويرد هذا النوع من التحول في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وفي حين نجد بعض النحاة يجيز عطف الماضي على المضارع أو العكس، نجد آخرين منهم يذهبون إلى تأويل الفعل الماضي في هذه الحالة بالمضارع لينسجم السياق لديهم، فممَّن أجاز العطف مطلقًا الرضي في شرح الكافية بقوله [3] :"ويعطف الماضي على المضارع وبالعكس، خلافًا لبعضهم، قال تعالى: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } [الأعراف، 170] ، ونحو: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ } [الحج، 25] ".
وممن ذهب إلى التأويل السيوطي (ت 911هـ) [4] ، إذ يشترط لصحة عطف الماضي على المضارع أو العكس، اتحادهما في التأويل، بأن يكون الماضي مستقبل المعنى ليصح عطفه على المضارع، أو المضارع ماضي المعنى ليصح عطفه على الماضي، فيذهب إلى تأويل الماضي بالمضارع والعكس، وينقل عن السهيلي عدم جواز التعاطف"بين فعل واسم لا يشبهه، ولا فعلين اختلفا في الزمان" [5] .
(1) تحولات البنية في البلاغة العربية، 321.
(2) المثل السائر، 2/198.
(3) شرح الكافية، 3/87.
(4) انظر: همع الهوامع، 5/271.
(5) السابق، 5/272.