الصفحة 27 من 54

من السياقات القرآنية التي يدل التحول فيها إلى الماضي على سرعة تحقق الفعل وحدوثه قوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْض إِلا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ِ } [النمل، 87] . فقد تحول السياق القرآني عن الفعل المضارع"ينفخ"إلى الماضي"ففزع"وكان مقتضى الظاهر للسياق أن يجري على نسق واحد فيكون"فيفزع"لأن الحدث لم يقع بعد، وإنما هو حديث عن المستقبل البعيد وهو يوم القيامة، فدل التحول إلى الماضي على سرعة تحقق الفعل وحصوله مثل تحقق الماضي في حدوثه، وكأنه يتحدث عن أمر قد حدث وحصل في الزمن الماضي [1] وفيه مزيد من تأكيد لأمر البعث والنشور ودلالة على السرعة والدهشة والذهول، بدلالة مجيء حرف العطف (الفاء) .

والتعبير بالفعل الماضي عن المستقبل هو أسلوب من البلاغة بمكان، يقول ابن الأثير [2] :"والإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل فائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها".

وأفاد الفعل المضارع"ينفخ"استحضار صورة الحدث من المستقبل البعيد وهو يوم القيامة حتى لكأنها ماثلة أمام الأنظار، فكما أفاد المضارع في سياقات سابقة استحضار صورة الحدث من الماضي السحيق، كذلك أفاد هنا استحضار الصورة من المستقبل البعيد، ويجمع الاستحضارين عنصر الزمن، وهناك فرق بينهما، فاستحضار الماضي استرجاع لزمن قد حدث بالفعل لإفادة تصويره في النفس، واستحضار المستقبل استباق للزمن كون الحدث لم يحصل لإفادة تحقق وقوعه.

(1) انظر: الكشاف، 3/161.

(2) المثل السائر، 2/198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت