فهرس الكتاب
ونجد -أيضًا- في هذا السياق أن الفعلين المضارع"ينفخ"والماضي"ففزع"قد استعملا للإخبار عن المستقبل، ولكن تختلف دلالتاهما، فدلالة المضارع في الإخبار عن المستقبل تفيد استحضار صورة الحدث، ودلالة الماضي تفيد تحقق حدوثه وحصوله.
ومنه قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } [هود، 96-98] .
لقد تحول السياق عن المضارع"يقدم"إلى الماضي"فأوردهم"، ولو جرى على مقتضى الظاهر لكان على النحو:"سيقدم قومه يوم القيامة وسيوردهم النار"؛ لأن الحديث عن زمن مستقبل وهو يوم القيامة، ومجيء التحول إلى الماضي (فأوردهم) فيه دلالة على القطع والتأكيد بوقوع الحدث وحصوله، وصُدِّرَ الفعل بحرف (الفاء) ليدل على سرعة الورود؛ لما في ذلك من التهديد والتخويف.
وهذا النوع من التحول يخبر عن نتائج محققة لأحداث سابقة لها، تحمل طابع الدهشة والمفاجأة، فَفَزَعُ من في السموات والأرض حدث مفاجيء مترتب على النفخ في الصور، وكذلك ورود فرعون وقومه النار يعقب مشهد قدومه لهم إلى ساحة الحشر بذلة وصغار [1] . ويرد غالبًا في مشاهد البعث والقيامة والحشر؛ لذا أضفى عليها الأسلوب القرآني زمن الماضي في حدوثها لتأكيد تحققها وحصولها [2] .
ويرد التحول إلى الماضي للدلالة على أنه سابق للمضارع في التحقق والحصول، من ذلك قوله تعالى: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } [الكهف، 47] .
(1) انظر: الزمن واللغة، 72.
(2) انظر: من أساليب التعبير القرآني، طالب الزوبعي، 153.