الصفحة 32 من 54

ونجد أن الآية السابقة لهذه الآية وهي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ } [الممتحنة، 1] . جاء التعبير فيها عما قد يصدر من المسلمين من ودٍ للكفار بصيغة الفعل المضارع"تلقون إليهم بالمودة"، و"تسرون إليهم بالمودة"وذلك في سياق نهي المؤمنين عن فعل ذلك، في حين ورد التعبير عما يوده الكفار للمؤمنين من ارتداد عن دينهم بالفعل الماضي"وودّوا لو تكفرون"وفي ذلك"إبراز للمفارقة أو البون الشاسع بين ما قد يصدر من المسلمين من مولاة هؤلاء، وما يضمره الكفار لهم من ضغينة وحسد" [1] . وذلك أن دلالة المضارع تفيد التجدد، في حين أن الماضي"وودّوا لو تكفرون"أفاد التحقق والرسوخ -كما أوضحنا سابقًا- فكأن السياق القرآني يخاطب المسلمين قائلًا لهم: إنه مهما تجددت هذه المودة من قبلكم واستمرت لهؤلاء الكفار سرًا أو علانية، فإنها لن تغير ما استقر في قلوبهم ونفوسهم من كراهيتكم ورغبتهم في ارتدادكم عن دينكم الذي تنعمون به دونهم.

ويرد التحول إلى الماضي للدلالة على الاختصاص بوصف ثابت من ذلك قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } [الأعراف، 170] .

(1) انظر: أسلوب الالتفات، ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت