فهرس الكتاب
فالتحول في هذا السياق عن الفعل المضارع"يمسكون"إلى الماضي"أقاموا"فيه دلالة على"أن التمسك بالكتاب أمر مستمر في جميع الأزمنة بخلاف إقامة الصلاة فإنها مختصة بأوقاتها" [1] .
ومعنى هذا أن التعبير بالمضارع قد دلّ على"استمرار استمساكهم بكتاب الله وتجدده، كلما عنّ لهم في حياتهم أمر يهرعون إليه طلبًا لهدايته وتطبيقًا لمنهجه، أما الصلاة فإنها لما"كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا"عبر عن إقامتها بالفعل الماضي للدلالة على ثباتها، حتى صارت إقامتها على وجهها في وقتها صفة لهم" [2] .
ومن السياقات القرآنية التي يرد فيها التحول إلى الماضي للدلالة على إظهار الرغبة في حصول الفعل قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ } [البقرة، 215] .
لقد حصل التحول عن المضارع"ينفقون"إلى الماضي"أنفقتم". ولو جرى السياق على مقتضى الظاهر لكان"يسألونك ماذا ينفقون، قل ما تنفقون ..."لأن الجواب جاء بأسلوب الشرط، والشرط يقتضي الاستقبال، والنحاة يؤولون فعل الشرط الماضي بالاستقبال [3] ."ولكن القصد من مجيء الشرط ماضيًا وإن كان معناه الاستقبال، هو إنزال غير المتيقن منزلة المتيقن، وغير الواقع منزلة الواقع" [4] .
يقول ابن جني [5] :"وكذلك قولهم: (إن قمتَ قمتُ) فيجيء بلفظ الماضي والمعنى معنى المضارع، وذلك أنه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ الماضي المقطوع بكونه، حتى كأن هذا قد وقع واستقر، لا أنه متوقع مترقب".
(1) تفسير أبي السعود، 3/288.
(2) التوجيه البلاغي للقراءات القرآنية، 184
(3) انظر: التصريح، 2/249، وحاشية الخضري، 2/122، وحاشية الصبان، 4/16.
(4) معاني النحو، 4/56.
(5) الخصائص، 3/105.