فهرس الكتاب
وقد حصل التحول في الآية الكريمة عن الفعل المضارع الواقع في جملة الصلة (الذين يكتمون) إلى الماضي الصلة (الذين تابوا) ، وما عطف عليه (وأصلحوا) ، و (بيّنوا) ، ولو جاء السياق على أصله في مقتضى الظاهر لكان (إلا الذين يتوبون ويصلحون، ... ) فيأتي فعلًا مضارعًا دالًا على الاستقبال [1] ، لا سيما أن قوله تعالى: { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا } يراد به الاستقبال؛"لأن (يكتمون) فعل مضارع وهذا بعده، فالتوبة بعد الكتمان" [2] .
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن مجيء التحول إلى الفعل الماضي في هذا السياق أفاد الحث على التوبة والحض على الإصلاح والتبيين، فالماضي يدل على تحقق وقوع الفعل وحصوله، وكأنه يخبر عن توبة قد حصلت منهم وإصلاح قد كان، أو هكذا ينبغي أن يكون.
وأما التعبير بالفعل المضارع"يكتمون"فيرى ابن عاشور [3] :"أنه للدلالة على"
أنهم -أي: علماء اليهود- في الحال كاتمون للبيّنات والهدى، ولو وقع بلفظ
الماضي لتوهم السامع أن المعنِيَّ به قوم مضوا، مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين"."
ويرى الباحث أن دلالة الفعل"يكتمون"تتجاوز دلالة الحال إلى دلالة الاستمرار، فالكتمان للبينات والهدى حاصل منهم حال نزول القرآن، ويتجدد ذلك منهم ويستمر إلى قيام الساعة، فكتمان الحق صفة فيهم على الدوام.
(1) الفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال وهو ما نص عليه جمهرة من النحاة من ذلك ما ذكره المبرد في المقتضب 2/2،"تقول: زيد يأكل"فيصلح أن يكون في حال أكل، وأن يأكل في ما يستقبل"، وجاء في المفصل 2/137:"ويشرك فيه الحاضر والمستقبل والذي يحدد كونه للحال أو الاستقبال قرينة السياق.
(2) معاني النحو، 3/316.
(3) التحرير والتنوير، 2/66.